مش هيّنة تكون لبناني

جوزف أنطونيوس
“مش هيّنة تكون لبناني”.. شعار (أو شي عار) قرقع رؤوسنا، وأُنفِقت الأموال الطائلة لتمويل حملته الدعائية، وافتخرت به شركات “الاستراتيجيات”، ووضعه كاتبو الخطابات نصب أعينهم، واتخذه الشوفينيون مذهبًا على سبيل “التجديد”، حين بدأت شعاراتهم القديمة تتعفن في “مزابل التاريخ” التي أرادوا إرسال الناس إليها..
ولعلَّ أكثر ما يثير العجب، أنِّي أتَّفق تمامًا مع واضع هذا الشعار، رغم التناقض التامّ بيننا في ما يخضُّ الخلفيات.. تناقضًا قد لا يكون إلا ظاهريًا(!). فلأكرِّرِ الشعار على طريقتي: “من وسائل جلد الذات.. أن تكون لبنانيًا”.
لكي تكون لبنانيًا غير منبوذ، عليك اتباع أسلوب حياة يماثل الأكاذيب التي يعيشها مَن حولك، وعليك أن تنتبه إلى أن أسلوب الحياة هذا، عليه أن يكون مماثلاً للمحيط الذي تحيا فيه.. فأنت لا تستطيع أن تتبع أسلوب الحياة نفسه بين برج حمّود وحيِّ السلّم، وبين الرابية والحمرا، وبين زحلة وبنت جبيل.. أسلوب حياتك عليه أن يكون مماثلاً لأسلوب حياة جارك.. وإلا تمَّ إلباسك ثوبًا هو على الأرجح ليس ثوبك.. فأثواب اللبنانين تكاد تكون محدودة بعشرين ثوبًا أو أقل.. ولا يستطيع العقل اللبناني – التقليدي منه – أن يتقبل فكرة أن هناك من يرتدي ثوبًا مختلفًا، ثوبًا خاطه بيده.. فأنتَ إمّا أن تكون يمينيًا أو يساريًا، طائفيًا أو شيوعيًا أو قوميًا، مواليًا أو معارضًا، علميًا أو أدبيًا (=غبيًا).. إلى ما هنالك من الثنائيات الحادة الانقسام، التي عليك الاختيار بينها.
وانتقالاً من العذابات على مستوى العلاقات الاجتماعية، نستعرض بعضًا من العذابات التي يتعرض اللبناني لها على مستوى الأمان الاجتماعي.. كيف لا يشعر اللبناني بالعذاب، حين يرى نفسه بالغًا شيخوخة غير مضمونة؟ يعمل الإنسان في العادة طوال حياته، لكي يتمكن من عيش سنوات أخيرة آمنة هانئة، لا تكثر فيها واجباته.. أما اللبناني، فهو مضطر إلى العمل من المهد إلى اللحد، وبدلاً من أن يكافئه المجتمع في أيامه الأخيرة على عطاءاته طوال عقود، يعاقبه بأن يحرمه الاستفادة من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وإذا صادف أن الفرد لم يستطع أن يُنجب، أو أن ولده كان عاقًا، فالحلول تكاد تنحصر في المآوي، أو أرصفة الطرقات.. وفي كل الأحوال، فإن اللبناني مضطر إلى التخلي عن كرامته، أو مفارقة الدنيا قبل بلوغ الشيخوخة.
ولا تنحصر عذاباتنا، نحن اللبنانيين، في هذا الإطار، وإنما تمتد إلى الحياة اليومية: فالمياه حالما تمطر، تملأ الطرقات، وجرافات بلدياتنا لا تعمل طوال العام، بل تنتظر المطر، للشروع في إزالة العوائق من المجاري المائية.. ونكاد نجلب صنّاراتنا لاصطياد الأسماك، لولا المطر المنهمر من فوق؛ أما في المنزل، فالمياه مقطوعة: تغرق في المياه في الشارع، وتتشقق حنجرتك عطشًا في المنزل. هذا عن المياه، ولكن ماذا عن زحمة السير؟ وماذا عن الرواتب المجحفة؟ ماذا عن حقوق العمال؟ والأطفال؟ والنساء؟ والرجال؟
“مش هينة تكون لبناني”.. فعلاً، ليس سهلاً أن تعيش كلَّ هذه العذابات، ليس سهلاً أن تشعر أنك إنسان لا حقوق له، ليس سهلاً أن تقضي حياتك منتظرًا أشخاصًا استثنائيين، وتضارب المصالح، والضمائر الحية النادرة، كي تنال بعضًا من حقوقك.. ليس سهلاً أن تقضي حياتك على أمل التغيير، وأن تموت، ويموت أولادك وأحفادك وأحفاد أحفادهم.. حالمين بالتغيير..
على اللبناني أن يعرف أن الزعماء الاستثنائيين نادرون، وأن الزعيم لا يعطي، بل يؤخذ منه.. على اللبناني أن يعرف أنه لن يتخلص من عذاباته، ولن ينال حقوقه، إلا إذا عرف كيف يطالب بها.. وكيف يضغط في اتجاه نيلها. حقوقنا لا ننالها، حقوقنا ننتزعها.










Discussion Area - Leave a Comment