رأفة بآذاننا


جوزف أنطونيوس
نظن أحيانًا أننا نتعايش مع الأمراض التي تحيط بنا، إلى حد يجعلنا نحسب أنها لن ئؤذينا، وأنها باتت عاديةً، وأمرًا علينا تقبله. فتغيب عنا روح الثورة ونستسلم للأمر الواقع، وتتردد الجملة الشهيرة على آذاننا: “باتت هذه الأمور عاديةً الآن”. في هذا الإطار، أورد في ما يلي من سطور، وصفًا بسيطًا ومختصرًا لما يلوّث سمعنا، كمواطنين عاديين، في يوم عادي نواجهه في أي مكان من لبنان، فنرى كيف باتت حياتنا اليومية جحيمًا..
نصحو في الصباح على صوت سيارة جارنا التي لا يستطيع تشغيلها، ونسمع صوت دوران مشغل المحرك، قبل أن يدور المحرك بعد جهد طويل، وبعد أن نكون قد فقدنا لذة الاستمتاع باللحظات الأخيرة من النوم. ونفرح إذ دار المحرك، ونحسبه خلاصًا لنا من المطرقة التي تدق على رؤوسنا، وآذاننا، ولا نستمتع بهذا الظن سوى لثانية واحدة، فيعود صاحب السيارة المشؤومة إلى الانتقام من المحرك عبر دواسة الوقود، معتقدًا أنه بذلك إنما يزيد من حرارة المحرك المسكين، غير مدرك أنه بذلك إنما يزيد في حالته سوءًا. وتخرج صاحبة اللسان الطويل من الشرفة لتصرخ في صاحب السيارة بأنه يزعجهم، وبأنهم يرغبون في النوم، وبأن صوت السيارة يزعجهم، فيختلط صراخها بصراخه، ويرحل غاضبًا، صوت الإطارات التي تنهش الأرض يصم آذاننا، فنقفز نحن من سريرنا مرغمين، ويبدأ يوم العمل..
في وقت الفطور، تصرخ صاحبة اللسان الطويل نفسها مهددةً متوعدةً ابنها بالويلات إن هو لم ينته من ارتداء ملابسه خلال ثوان، إلى أن نسمع صوت “الزمور” المنطلق من حافلة المدرسة، مع صوت السائق يزعق شاتمًا سائقًا آخر، فيما الآخر يحتج لأن الحافلة تقف في طريقه.
نخرج من منزلنا متوجهين إلى العمل، فنشغل المذياع ونقرر سماع الموسيقى من إحدى المحطات الغنائية، مفترضين أن الصباح مخصصٌ للأغاني الراقية، الهادئة.. وتحل الصدمة اليومية، كلمات سخيفةٌ متحدةٌ مع لحن فارغ نمطي، خارجةٌ من فم عارضة أزياء تحاول إقناعنا أن الجمال هو التعري، وأن الصوت الجميل هو الصوت الشهواني. فنُعرض عن تلك المحطة، إلى محطة إخبارية، وما نلبث أن نُطفئ المذياع بعد أن تكون آذاننا قد خُدشت مرةً أخرى، وبشكل أشد قساوةً، فمحررو النشرات ينقلون الفرنسية إلى العربية، والإنكليزية إلى العربية، فلا نسمع إلا لغةً متأنكلزة أو متفرنسة. والأسوأ، هي الأخطاء اللغوية التي يمطرنا بها هؤلاء، إن على صعيد التراكيب، أو على صعيد التشكيل، فينصبون الاسم المجرور، ويرفعون المفاعيل… وقد يهربون من ضبط أواخر الكلمات، فيسكنون كل شيء، ويخلطون بين همزات الوصل وهمزات القطع، فيأتي “معالي ألوزيرْ ويرحلْ ألمحللْ ألسياسي، ويزولْ ألإحتقانْ منْ ألنفوس”. ويطفح الكيل عندما يتحول المذيعون أو المقدمون أو إعلاميو هذا العصر، عن العربية الفصحى إلى المحكية، فيخلطون بين الاثنين، ويقضون على جمالية المحكية بمزجها بلغة غريبة عنها، هي اللغة الفصحى.
نطفئ المذياع للتخلص من ضغط خادشي الآذان، ولكن هيهات، فهذا سائقٌ يشتم، وآخر ينبهك بصوت البوق، محذرًا إياك من المرور قبله، فله الحق في أي شيء، ولك الحق في التزام الصمت. ولا ينقذنا من هذه الجلبة إلا وصولنا إلى مركز العمل، إلى أحضان الكتب والحروف والكلمات، معزولين عن الضرب والتكسير والأصوات المتعالية وأبواق السيارات.
ويأتي المساء، وتأتي طقوس القيادة في الطريق العام، حتى نحاول قضاء سهرة هادئة، فنُفاجأ بصاحب السيارة الذي نسي تركيب عادم في سيارته، عن قصد أو عن غير قصد، وذاك الذي يحضر لإقامة حفل موسيقي صاخب حول الـ “بي أم” العجوز، حيث أنفق ما جناه من أموال لتجهيز سيارته بعدة صوت، لا نجد منها حتى عند مشغلي الموسيقى المحترفين.
فنستسلم إذاك، ونقررُ دخول الفراش، ولكن هيهات أن ننام، وصاحبة اللسان الطويل لم تتعب من الصراخ، وها هي تتوعدُ ابنها، مجبرةً إياهُ على السكوت، فالمسلسل التركي قد بدأ، وهي لم تشاهده سوى مرتين قبلاً.
هذه هي حياتنا اليومية، هذا هو جحيمنا اليومي، لا تغيير إلا بالثورة، والثورة لا تكون لقلب نظام الحكم أو لتحرير البلاد فقط، وإنما تبدأ من ذواتنا، بالكف عما لا نرتضيه، والابتعاد عن الصراخ والزعيق الذي يسمونه غناءً، والكف عن تشجيع هذه الظاهرة… رأفةً بآذاننا!
OUFFFFFFF …. be 2ouwe
ما سبب هذا الامر ؟ النظام الاجتماعي؟
هذا ما يدعى بالتلوث السمعي وهو أشد خطراً من التلوث البيئي
M. Joseph!
كتير مبسوط بوجودك معنا، أهلا وسهلا فيك ساعة يلي بدك تشاركنا
Rita, hayda M. Joseph, prof. de musique, Conservatoire…
السبب؟ هو ربما الغضب الذي نعيشه، ولا نخرجه من نفوسنا، إلا عبر الفوضى
This is exactly the noise pollution that we’re living and suffering from nowadays. “This is the craziness of people”. Its really sooo weird. People usually search for something to release all the stress that’s kept in them. So maybe they find it a way without recognizing that they are causing to themselves as well as to others a disease with a greater effects: psychological and physical