payday loans car insurance

حبّي لوطني لا يعميني

من أرض الوطن

جوزف أنطونيوس

في هذه الأرض وُلدت، وبين جدران ملاجئها أرعبني صوت القصف، وما زالت رائحة البارود التي كنا نشتمّها بعد سقوط القذائف فوق رؤوس الجيران تملأ أنفي.

في هذه الأرض تعلمت فكّ الحرف، وفي هذه الأرض عانقتُ بنتَ السلطان في أحلام اليقظة، ومن رفوف مكاتبها قطفتُ أشهى ثمار نعيمة وعوّاد والريحاني، وبترابها امتزجَت دمائي يوم وقعتُ عن الدراجة.

على هذه الأرض أُغرمت وسهرتُ الليالي أحلم باليوم التالي، وفي هذه الطرقات سرتُ هائمًا باكيًا يومَ خُذلت. بين ربوعها نلتُ قبلتي الأولى، ودخنتُ سيجارتي الأولى…

في هذه الأرض تذوّقتُ الفشلَ.. ثمّ النجاح، مارستُ الغضب والثورة، وهدأت ولم أتخلَّ عن الثورة..

في هذه الأرض أغرمتُ وكرهتُ، ونجحتُ وفشلتُ، وشعرتُ بالفخر والذنب، وبالقوّة والضعف، شعرتُ بالأمان والخوف..

عانقتِ الأرضُ إنسانيتي، ومارستُ مع مواطنيها حياتي، برغباتها وشهواتها، بجمالاتها وبشاعاتها.. بهذا الوطن اتحدتُ، مثل هذا الوطن حياتي.. وهل ثمة ما نحبه أكثر من حياتنا؟

لا يزايدنّ أحد في حبي الوطن، ولكن حبنا يفرض علينا ألا نعميَ أنفسنا عمّا فيه من مساوئ.. حبنا وطننا، من دون أن نرى مساوئه، هو كإعجابنا بنجمة السينما.. نحبُّ نعومتة جسدها، ولكن متى سمعنا صوت شخيرها ليلاً، نفرنا منها.. حبُّنا وطننا يجب أن يكون كحبّنا لنسائنا، امرأتي أحبها كيفما كانت، بثياب السهرة وثياب النوم، ولا أغطيها بمساحيق التجميل لتبقى نجمة أعبد صورتها، امرأتي حيّة أتنفس معها، أرى أخطاءها لأعوّض، وترى أخطائي لتعوّض.. وهكذا وطني.. أراه بكسّارته وبغاباته، أراه بأسخف برجوازييه وبأرقى عماله، بمتزلّفيه وبثوّاره..

ويتردد في أذنيّ، أثناء كتابة هذه الكلمات، صوت المطرب يقول: “بيكفي إنك لبناني”.. اللبناني مغفور له كلُّ شيء، أن يخالف القوانين لا بأس، أن يعذّب الخادمات الأجنبيات لا بأس، أن ينتهك حقوق الإنسان في تعامله مع العمال الأجانب لا بأس، أن يمارس عنصريته تجاه الفلسطيني والسوري والسري لانكي والمصري والهندي لا بأس، وأن يمارس دونيته تجاه الأمريكي والأوروبي لا بأس.. لا بأس في كل ما يفعله، يكفي أنه لبناني، لتُغفَرَ كلُّ خطاياه!

ليست هذه محبة الوطن، هذا ما أرى فيه تحويلاً للوطن إلى رمز، رمز نضعه على الرفِّ، نأبى أن نلمسه، نأبى أن نستأصل الورم منه، فيتفاقم، وسيأتي يوم، نتمنّى فيه لو مارسنا دور الجرّاح.. فآلام المريض قبل شفائه، أسهل من دموعنا يوم وفاته..

 

Post it on your Facebook account or mail it to your friends..
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • E-mail this story to a friend!
  • Live
  • Print this article!
  • StumbleUpon

5 Responses to “حبّي لوطني لا يعميني”

  1. howie biyikfi inak libnani :P but you are right. I think this just shows how much more we have to do to reach our best. That is why Lebanese must wake up from thinking that parties and festivals and star academy will make us a better nation. sure they might be a part of it but definitly not IT. With hope that one day, Lebanese governments will make an effort to change the flaws of our country. Flawed but as beautiful as anything.

  2. من أروع ما قرأت عن المحبه الأصيله والغير مبرجه بالتزييف
    من أفضل أنواع المحبه التي تريد أن ترى كل شيء يستأهل الحب ولكي ترى كل شيء يخنق الحب .
    من أغرب ما سمعته هذا الصباح على محطة… الأم تي في… لاحد المحللين المحافضين يشرح كيف كان العقد الماضي فرصةً حقيقيةً للتغيير عندما كان اليسار والاشتراكيه هي العصب الأساسي لثورة التغيير نحو المجتمع المدني في لبنان وأضحكني عندما ترحم على اليسار اللبناني وهو هذا المحلل من أشد المناهضين لليسار وكان ينعته قديماً بأبشع النعوت لانه الآن يعتبر بأن المنظمات الدينيه أخطر بكثير على التعدديه-
    حبذا لو وعيت الجماهير التي تصفق للاحزاب الدينيه والطائفيه لم يقوله هذا المحلل الذي وللمره الأولى ينطق بكلام يمكن البناء عليه .
    شكراً جوزيف لهذه اللفته الكريمه ولمحبتك الأصيله للبنان

  3. حب الوطن لا يمكن أن يتحقق دون مواجهة.. والمواجهة ستكون نزالا خاسرا إذا لم يتم الاستعداد لها على كل الصعد، ابتداءً من فهمم أنفسنا وقدراتنا، وفهم الخصم وقدراته مرورا باختيار أدوات المواجهة الملائمة لطبيعة كل مرحلة على حدة، وصولا إلى تهيئة أرض المعركة عبر اصطفافات استقطابية وتحييدية. كل ذلك يجب أن يتم استنادا على الوعي المدرك لحقيقة الأشياء، تناقضاتها، وحركتها وتطورها، وإلا، فان لم ينته العاشق في مصب القمامة، فانه بكل تأكيد سينتهي تحت أقدام الخصم وكلابه

  4. حقاً شي رائع…. من أجمل ما قرأت عن لبنان والوطنية… أصلاً أنت تتفوق على نفسك كل مرة…
    بس يا جوزيف ما هي نسبة الناس يلي رح يفهمواا هل حكي..
    يللا الله بيعينا أصلاً يمكن نكتب ونكتب ونحكي ونموت نحن وعم نكتب وما حدن يفهم الّلا هل كم واحد

  5. as usual, your writing appeals to every lebanese who is aware of Lebanon’s flaws and blessings.
    Your writing style has smoothness and warmth that can be sensed while reading. You express your happiness and sadness in every word you choose.
    Thank you for make us share your writing

Discussion Area - Leave a Comment