payday loans car insurance

اللبناني.. غير منتج

lebjournal.com
0910.eco.p15.n15

لعل أبرز ما يلاحظه المتتبع للثقافة اللبنانية – وأعني بها طرق العيش في هذا البلد، أن أبرز سماتها هي اللاإنتاجية. وتتجلى اللاإنتاجية كسمة مميّزة للمجتمع اللبناني على مختلف الصُعُد: الاقتصادية، السياسية، التربوية… إلخ.

وقبل الولوج في الموضوع، من المهم إيضاح أمرين:

الأول أن ما أقدمه في هذه السطور ليس بحثًا علميًا موثَّقًا، بل هي مجرد مشاهدات معبّرة عن حقائق نراها يوميًا. والأمر الثاني هو أن ما نعرضه من حقائق ليست على سبيل التعميم، بل هي مجرد سمات معبرة، كما أوردنا.

وأول ما يخطر في بالي في ما يخص هذه اللاإنتاجية، هو الصعيد السياسي – التاريخي. فقد نشأبلد الأرز والمجد والحضارة المترسخة في القدم بصيغته الطائفية الحالية، أي التسوية التي أسست لإرادة العيش المشترك بين مختلف الأقليات الطائفية – في العام 1516. وما حصل يومها، أن فخر الدين الأول ألقى كلمة تزلّف فيها للسلطان العثماني عقب انتصاره على المماليك في معركة مرج دابق، فنال جبل لبنان حكمًا شبه ذاتي، وتعهد السلطان ببقاء قواته خارج الجبل، شرط تأدية الضرائب. فلم يسقط شهيد، ولم يحارب جيش، ولم يَثُر شبّان… بل استفاد اللبنانيون من تضارب المصالح الدولية، ومن انتصار العثمانيين على المماليك، فتخلصوا من الأخير، وتزلّفوا للأول، ونشأ الكيان..

وتعددت الأحداث، وتبدل النظام، إلى أن تضاربت المصالح الدولية مجددًا.. فبين الإنكليز، والأتراك، والألمان، والفرنسيين، والشريف حسين، والعلمين العربي والفرنسي على مبنى مجلس الإدارة في بعبدا، وسايكس بيكو.. قطفها اللبنانيون، واستفادوا من الريع مجددًا، ونالوا لبنان الكبير، ولم ينتجوه. ومن المفيد أن نذكر أن من سقطوا نتيجة المجاعة وساديّة السفّاح، يفوقون بأضعاف وأضعاف من سقطوا في المعارك ضد الاستعمار.

وفي استقلال 1943، استفادوا من ريع الصراع الفرنسي الإنكليزي، ومن تداعيات الحرب العالمية الثانية، وقطفوا استقلالاً وهميًّا، ولم يسقط سوى شهيد واحد كان يمكن ألا يسقط، وقد سمعتُ من يتغنى بسقوط أول شهيد لبناني واجه الدبابة بصدر عارٍ.. ولم أفهم جدوى استشهاده منذ درست هذه المرحلة التاريخية على مقاعد الدراسة.

وجاءت الحرب اللبنانية، وسقط مئات الألوف من الشهداء، شهداء يتم الصلاة باسمهم سنويًا على لسان من أسقطهوم، شهداء سقطت غالبيتهم الساحقة في حروب داخلية، في خلافات على سرقات.. في حرب عبثية.. وتكرس السلم اللبناني استعمارًا جديدًا.. ولم يتخلص اللبنانيون منه، إلا بعد أن تضاربت المصالح الدولية مجددًا، ورغم سقوط الشهداء، إلا أن ما فعله اللبنانيون مجددًا، هو الاستفادة من الريع، بعد أن ناسبتهم الأوضاع الدولية، وربما بغير إرادة من زعمائهم..

ولا تخلو قضية صحن التبولة والحمص، والانتصار الذي يبحث عنه شعبنا من لالهما على عدوٍّ عاث في أرضنا وشعبنا فسادًا، من دلالات على لاإنتاجية اللبناني. ويكمن الخطر على الصعيد السياسي، في كون اللبنانيين يرفضون التغيير، يرفضون المخاض الصعب الذي يحتاجون إلى خوضه في سبيل نيل وطن متقدم.. بل ويرفضون حتى التغيير من خلال الانتخابات، وما زالت الطبقة السياسية نفسها تحكم البلاد.. منذ قرون. وإن تبدلت الأسماء، فالنوعية لم تتغير.

أما في الاقتصاد، فحدّث ولا حرج.. فالريعية “ضاربة أطنابها”.. من اقتصاد يسمّونه خدماتيًّا، وهو في الحقيقة قائم على الريع من الترانزيت، ومن التجارة المثلثة وإعادة التصدير، كما يتجلى الاقتصاد الريعي غير المنتج في ما يسمّى الاقتصاد القائم على السياحة، حيث إن جلَّ ما يفعله اللبناني، هو استغلال السيّاح، واستنزافهم مقابل لا شيء، وبدل أن تجعل السياحة من لبنان سوقًا يتم فيها تصريف الإنتاج اللبناني، حوّلته إلى “كاباريه الشرق العربي”، الملهى الليلي الذي يُسمَح فيه كل ما هو غير مباح في الخليج العربي.. فيأتي السيّاح، ويصرفون أموالهم، ويتاجر اللبنانيون بمواردهم مجددًا، الموارد الطبيعية التي يدمرونها، والموارد الجسدية التي جعلوها رخيصة.

ونذكر في أثناء حديثنا عن الاقتصاد الريعي، المصارف، وارتفاع الفوائد، وسندات الخزينة.. فبدل أن تركز السياسات الاقتصادية على تفعيل القطاعات الإنتاجية، نراها منشغلة بتثبيت العملة.. وها هو معمل السيراميك يُفلس.. يضاف إلى ذلك عقلية السمسرة، فالموظف يرتشي، ويكثر متقاضو العمولات..

ولعل الأخطر، هو أن ظاهرة اللاإنتاج المهيمنة في لبنان، لا تهيمن على العقلية اللبنانية جمعاء، بل إن كثيرًا من اللبنانيين منتجون.. ولكن أين؟ في الاغتراب. وهنا تكمن الخطورة. فاللبناني المنتج يجد نفسه ملزمًا على مغادرة لبنان لينال حقه، وربما تكون هذه الظاهرة ممتدة تاريخيًا، وكأن هذه الأرض موبوءة، تطرد المنتجين إلى الخارج، وتبقي على الريعيين، ولعل هذا ما يفسر كون عدد اللبنانيين في المغترب، يفوق عددهم على أرض الوطن.

على اللبنانيين أن يعلموا، أن لا سبيل إلى قيامة مجتمعهم، إلا بالإنتاج.. إن كان على الصُعُد السياسية، أو الاقتصادية…

Post it on your Facebook account or mail it to your friends..
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • E-mail this story to a friend!
  • Live
  • Print this article!
  • StumbleUpon

Discussion Area - Leave a Comment