هجرة الادمغة
ألان صفا
عندما كتبت البارحه مقالتي بعنوان لبنان أولاً … سياحياً سألت ” لم الدنيا تاتي الى لبنان، وانت الذاهب منها”، علما بانني كنت على يقين بالاسباب الموجبة لهذا السفر. تساؤلي ما كان جهلا مني، غير ان بعض الردود المطالبة ب”جواب منطقي” خولني نشر هذه مقالة ل “جنان زياد” تعرض فيها مشكلة البطاله في لبنان من نواحي متعددة مرورا بربطها بالمشكلة الاقتصادية العالمية. نكون بذلك قد ألقينا الضوء على هذه المسأله فنعرف الأسباب الحقيقيه وراء هجرة الأدمغه.
بيروت – جنان زياد
ليست قضية البطالة التي نتطرق اليها اليوم هي الأولى من نوعها، بل على العكس هي عينة من مأساة الغالبية العظمى من أبناء الشعب اللبناني الذي كان ولا يزال يدفع الأثمان الباهظة بسبب التقلبات السياسية والأمنية. فالبطالة في لبنان تخطت الخطوط الحمر كلها، ووصلت الأمور الى حائط مسدود، والوضع المعيشي القائم بات يهدد شريحة كبيرة من الناس وينذربأزمة خانقة… واللافت أن التكلم عن موضوع البطالة بات من المحرّمات على ما يبدو رغم تحذيرات الإقتصاديين من استفحال هذه الأزمة المؤثرة بشكل دراماتيكي على الوضع المعيشي للمواطن اللبناني. موضوع البطالة، والذي أصبح يشكل أو يوصف بـ «المرض العضال» الذي لا شفاء منه، يعتبر من المواضيع الرئيسة التي تشكل مادة دسمة لأي حكومة في أي مجتمع وما ترافقها من مشكلات تعصف بالمجتمعات وتجعل شبابها في مهب الريح.
نسبة البطالة في لبنان غير معروفة في ظل غياب أي إحصاءات من وزارة العمل، ولا نغالي إذا قلنا أنها تتعدى 30 %، وهو وضع في حال وجوده في دولة أخرى يطيح بالحكومة، لأنه لا يمكن التلاعب بلقمة عيش المواطن! هجرة الشباب المثقف تدق ناقوس الخطر، وهي خير دليل على ارتفاع معدل البطالة، ورغم إعطاء التعليمات للسفارات بالتشدد من ناحية إعطاء التأشيرات لا تزال الأرقام مخيفة. وفي ظل غياب الأرقام الرسمية لعدد العاطلين عن العمل في لبنان حالياً، إلا أن التقديرات تشير إلى أن البطالة وصلت إلى 30%. بمعنى آخر هناك عاطل عن العمل من اثنين خسر وظيفته لأسباب اقتصادية، وهو التعبير المستخدم لتغطية حالتين: إما أن يكون صاحب العمل قد أقفل مؤسسته، أو أن المستخدم صرف بداعي تقليص عدد العمال.
مشكلة البطالة ناتجة عن خلل على الصعيدين الكمي والنوعي في العرض والطلب، وعن تدفق اعداد كبيرة من اليد العاملة غير اللبنانية وعن ضعف واضح في مستوى الإعداد المهني والتقني للقوى العاملة اللبنانية بحيث لم تعد تلبي حاجات سوق العمل. وتقيد الدراسات عن ارتفاع معدل البطالة في الوقت الحاضر نسبة إلى السنوات الماضية في ظل عمليات الصرف من الخدمة والركود الاقتصادي. وزادت الأزمة حدة جراء اعتماد الاقتصاد اللبناني على الخدمات الأكثر تعرضا بسبب الأحوال الأمنية والسياسية، مما ادى الى تسريح آلاف العمال أخيرا فيما باتت البطالة اضعافا في الصناعة والزراعة بعد حرب يوليو 2006. وقد نعدد اسبابا عديدة للبطالة ويمكن ان ننسبها أيضا في خانة اسباب الهجرة من دون تردد: نمو سكاني يفوق النمو الاقتصادي.. واحتكار السباق مع التكنولوجيا وما تتطلبه من مهارات عالية لا تتوافر لدى الجميع، مع أن أهل التكنولوجيا يهاجرون اكثر من غيرهم، ضعف القدرات الانتاجية وآثار العولمة وحدة المنافسة مع ان للأمر وجهين يتغلب السلبي فيما عندنا على الايجابي. ويتخرج في الجامعات سنويا 10 آلاف طالب ومن الجامعة الرسمية 6 آلاف فيما 50% من العمالة اللبنانية العادية من دون التعليم المتوسط، فيما يستفيد أرباب العمل من العمالة الرخيصة المستوردة. والأخطر أنّ شباب لبنان يجدون الحلّ الوحيد في الهجرة.. فاللهجرة في لبنان هي الوجه الآخر للبطالة ومهما تعددت اسباب الأولى واختلفت، فإنها تؤدي حتما إلى الثانية.
ان معظم الشبان والفتيات يعربون عن شعور حقيقي بالاحباط يدفعهم الى التفكير بالهجرة الى أي مكان في العالم مهما كان بعيدا ، وظاهرة الهجرة اللبنانية ليست جديدة، غير ان عدد الذين غادروا البلاد في السنوات العشر الاخيرة يقدر بعشرات الالاف. معظمهم من الشباب والمثقفين، لماذا؟ لأنّ نسبة البطالة في ارتفاع ولا تتوفر وظائف كافية لخريجي الجامعات. وهو ما يدفعهم الى البحث عن أي عمل خارج لبنان، مما يؤدي إلى هجرة الطاقات والأدمغة اللبنانية للاستفادة منها في الخارج. ومع أن الهجرة تحد من البطالة، لكنها تتسبب بأزمة لأن معظم المهاجرين هم من الشباب الذين يغادرون إلى غير رجعة.
واللافت أن البطالة في لبنان لا تقتصر على فئة عمرية او خريجي تخصص معين، بل تطال كل فئات الشعب اللبناني والشرائح العمرية
إعلان مؤسسات إفلاسها أو تصفيتها أو تقليل عدد موظفيها. ويقول الشاب لؤي شعبان (28 عاماً) الذي تخرج قبل ست سنوات في كلية الإعلام والتوثيق وهاجر الى الكويت حيث يعمل محاسباً: “بعد أن أنهيت دراستي الجامعية داخل أروقة كلية الإعلام، ونجحت في نيل شهادة البكالوريوس، شعرت حينها بحماس كبير لبدء المهمة الصحفية في أي وسيلة من وسائل الإعلام في لبنان، لكنني اصطدمت بمشكلة البطالة التي تعاني منها بلادنا.. اخترت السفر إلى الخارج والبحث عن وسيلة عمل في دولة الكويت بعد أن سمعت الكثير عن هذا البلد الذي يحوي العديد من فرص العمل ذات الدخل العالي. بعد انقضاء فترة معينة في البحث عن عمل ينسجم إعلاميا مع دراستي الجامعية، فشلت، ولم أجد سبيلا غير الدخول في سلك العمل التجاري والعمل في إحدى المؤسسات التجارية الكبرى في الكويت في قسم المحاسبة. بالطبع أشتاق إلى الأيام “الإعلامية” حيث كنت أبحث عن المعلومة والحقيقة في كل مكان، وأحلم بفكرة العودة إلى المهنة الصحفية والعودة إلى لبنان كي أمارس هذا العمل الذي تعلقت به منذ الصغر. ولكن نتيجة الظروف السياسية والاقتصادية التي يمر بها لبنان فان سقف البطالة يرتفع كل يوم عن الآخر، وأبواب الهجرة تشهد يوميا رحيل الشباب اللبناني وسفرهم إلى دول عربية وأجنبية بحثا عن عمل مكسب”.
قد تكون سنة 2009 من أصعب السنوات على الاقتصاد العالمي حيث إن العنوان الأساسي للاقتصاد الأميركي والياباني والآسيوي والأوروبي هو الركود في غالبية القطاعات الصناعية والمصرفية والعقارية، يرافقه ارتفاع معدلات البطالة ويلامس لبنان تداعيات الأزمة العالمية ويواجه تحديات اقتصادية ومالية وسياسية في آن. ومن المتوقع وبحسب دراسة حديثة أن ينخفض النمو الاقتصادي من 5.5 في المائة إلى أقل من 3.5 في المائة بسبب تراجع الحركة الاستثمارية للمستثمرين العرب وتقلص الإنفاق الاستهلاكي وتراجع أسعار العقار بنسبة 20 في المائة وانخفاض الصادرات اللبنانية إلى الخارج، وتراجع تحويلات المغتربين بعد فقدان آلاف اللبنانيين العاملين في الخارج وظائفهم. وإزاء هذا الواقع يناقش اقتصاديون وصناعيون فكرة إنشاء مجلس أعلى للتنافسية” يتولى مواجهة انعكاسات الركود العالمي على الاقتصاد اللبناني.
طبعا البطالة حالة لا يمكن معالجتها من طرف واحد أو ظرف محصور.. بل تعالج في إطار التنمية والفرص الاستثمارية.. وأن جهدا علميا إداريا فعليا مطلوبا قبل حل مشكلة البطالة التي تتمثل في 4 نقاط رئيسية: حل النزاع والأزمة السياسية وتحقيق استقرار سياسي، وضع برنامج نمو اقتصادي شامل في قطاعات تولد فرص عمل، تدعيم هذه الخطة بسياسات توظيف خاصة وسياسات اجتماعية مناسبة، ووضع خطة إعلامية واضحة تتناول القضية من مختلف نواحيها: بدءاً من المنهاج التربوي وصولاً إلى سوق العمل.
واللافت للانتباه أنه إذا ما قمنا بحولة صغيرة على المقاهي في بيروت، فإننا لن تجد فيه كبار السن، كما هي العادة، يتناولون النرجيلة ويلعبون الورق، بل سيشد انتباهنا اعداد المراهقين والشباب بداخلها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على خلل اجتماعي خطير قد يؤدي إلى آفات اجتماعية خطيرة، وخير مثال على ذلك المشاكل الكثيرة التي تعاني منها العديد من المناطق والتي يذهب ضحيتها العديد من الشبان. واللافت ايضاً ان الانكماش الاقتصادي الذي يمر به لبنان حالياً رفع بشكل حاد من نسبة البطالة. مأساة حقيقية يعاني منها المواطن اللبناني واللاجئ الفلسطيني، الذين لا حول لهم ولا قوة. هذا هو واقع الحال في لبنان. مَن الجهة المسؤولة عن هذه المعاناة؟ وكيف لا يسير لبنان نحو الانحراف؟؟ وهل هناك أية نية للتدخل الجدّي في حلّ هذه الآفة الاجتماعية؟؟ أسئلة ينتظر شباب لبنان اجوبتها










Discussion Area - Leave a Comment