الشيعة ولبنان بين الإمامين الصدر وشمس الدين
لقد كان الشيعة منذ كان لبنان، سكنوا سهوله والجبال وعمّروها بالعرق والدماء”… (الامام السيد موسى الصدر(.
ان لبنان هو لبنان: هو هذه الحالة الفريدة من العيش المشترك والحياة الواحدة، وهذه الصيغة التي ارتضيناها جميعاً… في لبنان ليس هناك طرح يتناول اصل الصيغة، فالصيغة هي هذه! والذي يريد ان يغنيها والذي يريد أن يرشدها، والذي يريد أن يحضنها، نحن نكون في غاية الشكر والامتنان له.. ولكن السؤال هو: هل نريد حقاً لبنان أم لا نريده؟ هل نريد نظاماً جمهورياً ديموقراطياً برلمانياً أم لا؟ نحن قلنا نعم للبنان، وقلنا نعم لنظام جمهوري ديموقراطي برلماني… (الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين).
ان نسبة الشيعة الامامية (الاثني عشرية ـ الجعفرية ـ العلوية) تكشف بوضوح عن العلاقة العضوية المباشرة التي تربطهم بالأئمة من أهل البيت، بالامام علي وزوجه فاطمة وبنسلهما المطهر، وبمن سار على نهجهم في حياة الصبر والتقوى والعرفان والشهادة.. وان هذا يحمّل الشيعة مسؤولية الأمانة الى الروحانية العرفانية والى العلم والحكمة، والى العدل والاحسان، التي طبعت نشأتهم ومسيرتهم التاريخية.. ولقد كان السؤال الذي شغل بال الامامين الصدر وشمس الدين حين قررا العمل على نهضة الشيعة في لبنان، هو :كيف نحدد ميزات تلك الشخصية الشيعية كما تجلت في التاريخ (وليس في الأساطير والخرافات)؟.. وما هي قيمة وفاعلية القيم والمبادئ والأسس التي قام عليها التشيع العلوي الأصيل في تجدد الذات الشيعية اليوم؟ كيف يمكننا استنطاق واسترشاد هذه القيم والأسس والمبادئ وتلك الروحانية العرفانية وذلك الظمأ للعدل، في حاضرنا، في وعينا، في سلوكنا وممارساتنا، وفي رسم خياراتنا؟؟
لم يبدأ الامام الصدر من فراغ.. فهو حل بمدينة صور بناء على دعوة سابقة من المرجع السيد عبد الحسين شرف الدين.. وهو استند الى تراث شيعي لبناني أصيل يحلو لبعضهم نسيانه اليوم أو تجاهله حين يستحضرون وادي الحجير وادهم خنجر وينسون ان ما صنع شيعة لبنان ليس محطات معينة خارج اي تاريخ او سياق بل تاريخ طويل يبدأ مع أبي ذر الغفاري ولا ينتهي مع الامامين الصدر وشمس الدين.. لقد كان الشيعة العامليون كما غيرهم من اللبنانيين في طليعة المعترضين على التشكيل الانتدابي للبنان الحديث.. غير ان هذا الاعتراض كان من شاكلة الاعتراضات اللبنانية الأخرى: اي انه كان اعتراض وممانعة ما قبل تشكّل الدولة الوطنية الحديثة وفي مرحلة انعدام التوازن بعد انهيار الدولة العثمانية واحتلال البلاد العربية.. وهو اعتراض حملته قوى ومصالح وايديولوجيات ورؤى وأفكار، لا يمكن بحال من الأحوال نسبتها الى الأزلية والثبات والقدم.. كانت عروبة الشيعة وسوريتهم هي العروبة والسورية الطبيعية لمطلع القرن العشرين حيث الخرائط ترسمها الدول المستعمرة وحيث القوى الأهلية المحلية تقاوم فرض الأمر الواقع.. ولا يجوز تقديم التاريخ باعتباره تاريخ ادهم خنجر او مؤتمر الحجير او حتى حكومة الملك فيصل في دمشق.. بل لا بد من البحث الجاد عن اشكال انخراط النخب الشيعية والاسلامية في الممارسة السياسية وفي الحياة الوطنية، وعن التعبيرات السياسية المختلفة التي لوّنت الطيف الشيعي والواقع الاسلامي اللبناني… بحيث ان الجاهل وحده هو من لا يرى الاختلاف بين رؤية السيد شرف الدين ورؤية السيد محسن الأمين لموقع ودور الشيعة في لبنان والمحيط.
كانت عروبة الشيعة هي المساق الطبيعي لتاريخهم وجذورهم وثقافتهم ولغتهم ولهجاتهم وعشائرهم وبيوتاتهم… وهي لم تكن لتتعارض مع لبنانيتهم اللاحقة والتي كان الامام شرف الدين ابرز من عبّر عنها.
والابداع الشيعي المبكر تمثل في ايجاد تلك اللحمة ما بين وطنية لبنانية قائمة على واقع مستجد ومتصالح عليه دون الاغراق في تاريخ غابر الى حد الأسطرة من جهة (الفينيقية وحضارة الستة آلاف سنة) ولا في ادلوجة الاصطناع للكيان اللبناني من جهة اخرى (وهي ما زالت في وعي وسلوك اكثر من حزب عقائدي “لبناني”). وما بين عروبة حضارية، طبيعية، لا تحتاج الى ادلجوات قومجية فاشيستية ولا الى مرتكزات سلطوية او مخابراتية… واذكر ان الامامين الصدر وشمس الدين كانا يطرحان دائماً هذه المعادلة ويقولان: ان التاريخ السياسي للبنان هو حاضرنا القائم والمتوافق عليه.. فلنتفق على ان تاريخ لبنان يبدأ عام 1920,. واذا لم توافقوا فاجعلوه عام 1943,. وهذا هو تاريخ الكيان السياسي الحاضر الذي ارتضيناه وطناً نهائياً من دون ان يعني ذلك اننا تخلينا عن روابطنا العربية او عن شيعيتنا او عن اسلامنا.. ولم يكن الشيعة وحدهم على هذا الوعي المتفاهم عليه.. فالبيان ـ الرسالة الذي ألقاه السيد كاظم الصلح (ووافقه عليه السيد عادل عسيران) بعد مؤتمر الساحل 1936 يحمل هذا الهم المبكر في اجتراح معنى اسلامي للوطنية اللبنانية ومعنى لبناني للعروبة… ومن المفيد الاشارة هنا الى ان هذا التطور في الفكر السياسي الاسلامي اللبناني نتج عن تطور مبكر في سوريا كانت ابرز علاماته الكتلة الوطنية السورية ومفاوضتها المنفردة (كسورية) مع الانتداب الفرنسي وطلبها من جناحها اللبناني (بقيادة رياض الصلح) التفاوض المستقل وترتيب البيت اللبناني… وعام 1936 هو للمناسبة عام تبلور تلك الوطنيات المحلية بعد تطور وتبلور مشاريع وقوى وحركات ومصالح “وطنية” (سمها بورجوازية ان شئت) لم تعد تجد في الاستقلال الوطني خيانة قومية وهي عقدت في ذلك العام المعاهدات الشهيرة مع الأجنبي (من مصر الى العراق، ومن سوريا ولبنان الى المغرب والجزائر وتونس).. ويستحق هذا الأمر دراسة مفصلة ليس هنا مجالها.. انما يعنينا هنا اندراج شيعة لبناني المبكر في البحث عن جوامع مشتركة على مستوى الوطن مع بقية الطوائف اللبنانية، وفي التأصيل الديني لهذه الوطنية.. وهنا يبرز الميثاق الوطني ومعركة الاستقلال كعلامات على هذا النضج وتلك الرؤية التي لم تكن لتختلف عن رؤية رياض الصلح او صائب سلام.. وهي رؤية حملها صبري حمادة وعادل عسيران وآل الأسعد والزين والخليل وحيدر وغيرهم من العائلات الشيعية التي تصالحت مع اللبنانية ومع الدولة الجديدة. (من المفيد هنا مراجعة دراسة السيد هاني فحص وعنوانها الشيعة والدولة). والموضوع شائك ومعقد وشرحه يطول وهو يحتاج الى دراسات وابحاث تاريخية ـ اجتماعية.. غير انه يبقى من المفيد التذكير هنا بأن اللبنانية والسورية والعروبة كانت تنجدل في تناغم وتكامل ميّزا شخصية ذلك الجيل من الكبار العظماء… ومن ينسى عروبة كميل شمعون او سوريَّة الرعيل الأول من المثقفين الذين طردهم سعادة من الحزب لشبهة اللبنانية.. او اتفاق الكتائب والنجادة على المطالبة بالاستقلال… وما نستطيع قوله في هذه العجالة انه لم يفرض احد بالقوة والقهر الخيار اللبناني على شيعة جبل عامل… ولا يمكن نكران هذه الحقيقة البسيطة وهي انهم ارتضوا لبنان فعلياً، سراً وعلناً، وطناً نهائياً… وهذا الرضى حملته ايضاً قوى ومصالح وطبقات ونخب لا يجوز البتة التهوين من شأنها او من تمثيلها لشيعة لبنان…. وهكذا فإنه لم يكن صدفة ان يحمل السيد موسى الصدر تراث السيد شرف الدين (اي التراث الوطني اللبناني المستند الى عروبة حضارية لا لبس فيها ولا غبار عليها)، وان يتمايز عن اقرانه ورفاقه الذين اسسوا حزب الدعوة في النجف الأشرف (ما بين عامي 1957 و1959) وهو تاريخ عودة الصدر الى لبنان)… وهنا تاريخ مجهول لم يفتح احد صفحاته بعد الا انه يستحق الاهتمام والدراسة كونه يلقي لنا ضوءاً كاشفاً على أمور ومواقف ما تزال تتردد اصداؤها الى اليوم.
عاد الإمام الصدر إلى لبنان وفي رأسه وعقله مشروع (بحجم معنى لبنان ودوره كما وصفه شمس الدين).. وهو المشروع الذي اسماه الإمام شمس الدين: المشروع الوطني الإسلامي الانساني للشيعة اللبنانيين… قرأ الإمام تقارير بعثة ايرفد (بشأن حاجات وإمكانيات التنمية في لبنان ـ صدر عام 1960) وتابع بدايات التجربة الشهابية في مجال الدراسات التنموية والتخطيط الاقتصادي والانعاش الاجتماعي والاقتصادي والثقافي… وهو استند إلى هذه التقارير والمتابعات لفضح هول الواقع الذي عاشته وتعيشه مناطق تمركز فيها البؤس والحرمان والفقر (الجنوب وبعلبك ـ الهرمل وضواحي بيروت).. ولم يكتف الإمام بالدراسات والتقارير… فهو ساح في طول البلاد وعرضها وانتقل من بيت إلى بيت ومن قرية إلى قرية… وهو أنشأ الجمعيات والمؤسسات وحاضر وناقش وتحدث في كل الأمكنة… وشارك في إطلاق الحركة الاجتماعية (مع الاب غريغوار حداد)، وحوارات الندوة اللبنانية (مع ميشال الاسمر والاب يواكيم مبارك والاب جورج خضر والشيخ صبحي الصالح) وندوة الدراسات الإنمائية (مع الدكتور حسن صعب)… ناهيك عن عشرات الجمعيات والمنتديات التي كان لها لاحقاً الفضل والدور في بناء كوادر المحرومين (مهنية جبل عامل على وجه الخصوص) وإطلاق المقاومة اللبنانية للاحتلال الإسرائيلي.. عمل الإمام الصدر ومنذ اللحظة الأولى على إرساء دعائم مشروعه على ركيزة تتمثل في العمل على الاستفادة من كل العناصر الايجابية في لبنان بهدف توفير الشروط المؤدية إلى بناء شخصية سياسية مؤمنة ومتوازنة لشيعة لبنان، تكون قادرة على مواجهة التحديات، تساهم في انهاض حركة الناس (كما كان يحب ان يقول وهو يقصد المجتمع الأهلي والمدني على السواء) على قواعد التعاون والتضامن والاعتماد على الذات والمبادرة والتنظيم المؤسسي… وارتكز الإمام الصدر إلى طبقة وسطى مدينية وريفية حديثة التكوين واسعة ومستقرة ومتعلمة ومتحفزة للعمل الاجتماعي والثقافي وهي كانت من إفرازات التجربة الشهابية.. والإمام عاصر صعود وسقوط الشهابية.. وهنا نقطة تستحق التوقف عندها نظراً لما كان لانهيار هذه الطبقة الوسطى الشيعية المتعلمة والناشطة من تأثير على تحولات حركة أمل وعلى قاعدة حزب الله وذلك منذ كارثة سقوط النبعة والتهجير القسري للشيعة من كل ضواحي بيروت الشمالية، مروراً بشتى المعارك في الحرب الأهلية وقد كان الشيعة وقودها الأساسي، ووصولاً إلى الاعتداءات الصهيونية المتلاحقة والتي أكملت عملية تهجير وتفسيخ وافقار وتشريد عشرات الآلاف من الشيعة.
-
NEXT : التعايش الإسلامي المسيحي في الجنوب اللبناني
-
-
`~♥~` *AbOu sTeiF* `~♥~`










Discussion Area - Leave a Comment