لكي لا تتحوّل من نعمة الى نقمة

منذ ثلاثين عاما و قطار التطوّر يسير من دون هدف واضح مخلّفا خلفه تغيّرات كثيرة طالت كافّة المجلات البشريّة من اقتصاديّة ، صناعيّة ، سياسيّة ، ثقافيّة ، فكريّة. كل هذه التغيّرات اصابت بشكل مباشر تكتّلات صغيرة شكّلت بنية المجتمع و عرفت باسم العائلة و هنا يكمن الأساس .
انّ التطورات الفكريّة ألذي سبق ذكرها حرّرت العائلة من الأفكار التقليديّة و أدخلتها في حالة من التجدّد. هذا التجدّد تمثّل على مختلف الأصعدة و من أهمّها: ألطفل.
فغياب الزوجة عن المنزل لساعات طويلة…حاجة الطفل الى عناية مكثّفة…ضرورة انخراطه في المجتمع الصغير…كلّها عوامل أحرجت الأبوين وأجبرتهم على حمل أطفالهم الى ما يسمّى بالحضانة.
أين تكمن أهميّتها؟ ما هي المتطلّبات الأساسيّة لقيامها واستمرارها؟ كيف يبقى اختيارها نعمة من دون أن يتحوّل الى نقمة؟ أين تكمن مسؤوليّة الدولة في حماية المنتسبين اليها؟
-أوّلا-في الأهميّة : هنا تنوّعت ألاجابات الّا أنّها صبّت في معظمها لصالح نقاط صنّفت بالأساسيّة. فمع دخوله الحضانة يرى الطفل نفسه مجبرا على التأقلم مع محيطه. هذا التأقلم يحتّم عليه معاشرة من هم في سنّه ، و معاشرة أبناء جيله ينمّي لديه روح الانتماء الى الجماعة و روح الانتماء هذه هي بمثابة الخطوة الأولى على طريق الانتماء الى الجماعة الأكبر ألممثّلة بالمجتمع.
ان وجود الطفل في الحضانة ليس وليد الصدفة انّما هو ناتج عن قرار صائب. فهذه المؤسسة الاجتماعيّة التربويّة تساهم في بناء الانسان. فهي و على سبيل المثال تنمّي لغة الطفل و تعطيه اللغة امكانيّة التعبير بشكل أسهل كلاميّا أو جسديّا والكلّ على علم أنّ اللغة ليست حكرا على الكلام فهي تتخطّى حدوده حتّى تطال الجسد. في نفس الاطار انّ انتساب الطفل الى هذه المؤسسة يمنحه نوعا من الاستقلاليّة. هذه الاستقلاليّة المستجدّة في حياته تنعكس على تصرّفاته و تنمّي ثقته بالنفس. و ها هو يتّكل على نفسه في تلبية بعض من حاجاته مثل اطعام نفسه و توضيب ألعابه.
الّا ان أهميّة الحضانة لا تكمن في هذه العناوين الثلاثة وحسب اذ تتخطّاها الى عناوين أخرى لها علاقة بالانضباط و احترام الأخر أو حتّى الثقافة.
-ثانيا-في المتطلّبات: وفي ظلّ الحديث عن الحضانات لا بدّ من ذكر بعض المستلزمات الأساسيّة في قيام الحضانة و استمرارها من أهمّها: أن يتميّز المكان بالمساحة الواسعة ، ألأناقة ، ألترتيب و الألوان ، أن يكون هذا المكان مجهّزا بأجهزة ألتدفّؤ. معاملة الصغار معاملة سلبمة ، تنظيم نشاطات ترفيهيّة و ثقافيّة و التوفيق فيما بينها ، فغياب الطفل عن المنزل لساعات طويلة لا يجب أن ينمّ عن واجب يوميّ مزعج بل عن رغبة و ممارسة.
-ثالثا-في االسلامة و الأمان: و يبقى الأهمّ الحديث عن معايير السلامة ألتي لا بدّ أن تستوفيها الحضانات حتّى لا تتحوّل هذه النعمة الى نقمة. انّ سلامة الطفل من سلامة البيئة الجغرافيّة و سلامة البيئة الجغرافيّة تكون عن طريق العمل على تأمينها و تحصينها.معايير السلامة الأساسية تكون على سبيل المثال : برفع الأسلكة الكهربائيّة عن سطح الأرض بحيث يعجز الطفل عن التلاعب بها. تسييج الشرفات والنوافذ خوفا من أيّ حادث مفاجئ كأن يهوي الطفل من الطابق العلوي الى الأسفل. اخفاء الأدوات الحادّة التي قد تثير حشريّة الطفل و تحمله الى استعمالها وأذيّة نفسه. ومن معايير السلامة اخفاء الأدوية من أمام أعين الصغار لأن أيّ استخدام لها قد يحمل أثار سلبيّة على الطفل و نموّه. ومن الوسائل المستحدثة في أيّامنا هذه كاميرات ألأمراقبة ألتي هي في
خدمة سلامة الطفل ألعامّة. الّا أنّ أعين ألمراقبين تبقى الأكثر استثمارا فهي وحدها كفيلة بارساء جوّ من الأمان للطفل و العائلة. لهذا السبب انّ عدد ألمراقبين يجب أن يكون متناسبا مع عدد ألصغار ، و القوانين تحددّ هذا الأمر اذ لا يجوز استخدام 10 مراقبين ل100 طفل.
-رابعا-في المسؤليّة العامّة: انّ سلطة الدولة شاملة فهي تطال كلّ المؤسسات من اقتصاديّة انسانيّة تربويّة…خاصّة كانت أو رسميّة. من هذا ألمنطلق وجب قيام لجان مختصّة مكلّفة مراقبة هذه الحضانات من أجل التأكّد من استيفائها الشروط الموضوعة.
فمع غياب الرقابة و عجز الأهل عن دفع الأجور العالية ، و اضطرارهم لترك الأطفال في الحضانة؛ في خضمّ هذه المنازعات أصبح الطفل كبش محرقة ، كيف؟ و لماذا؟
1-اذا لم يعيّن اختصاصي في التربية تصبح الحضانة أشبه بسجن من دون أن يتعلّم الولد شيئا.
2-في حال كانت أعداد المراقبين غير واقية سيعاني الطفل من حرمان عاطفي لعدم وجود بديل عن الأمّ
3-اذا لم يكن هناك علماء نفس لا يمكن أن يكتسب الطفل مفهوم الاستقلاليّة و المحوريّة الذاتيّة و تقبّل ألأخر
4-ضرورة وجود طبيب أطفال
وأين حضانات لبنان من هذه الشروط “البسيطة” التي قد يؤدّي عدم وجودها الى اصابة الطفل نفسيّا ، تربويّا ،و جسديّا؟
جورج عقل














